الغزالي
168
إحياء علوم الدين
وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « شرار أمّتى الَّذين غذّوا بالنّعيم ونبتت عليه أجسامهم وإنّما همّتهم ألوان الطَّعام وأنواع اللَّباس ويتشدّقون في الكلام » وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ، اذكر أنك ساكن القبر ، فإن ذلك يمنعك من كثير الشهوات وقد اشتد خوف السلف من تناول لذيذ الأطعمة ، وتمرين النفس عليها ، ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة ، ورأوا منع الله تعالى منه غاية السعادة ، حتى روي أن وهب بن منبه قال التقى ملكان في السماء الرابعة ، فقال أحدهما للآخر ، من أين ؟ قال أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي لعنه الله . وقال الآخر ، أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد . فهذا تنبيه على أن تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير . ولهذا امتنع عمر رضي الله عنه عن شربة ماء بارد بعسل ، وقال ، اعزلوا عنى حسابها . فلا عبادة لله تعالى أعظم من مخالفة النفس في الشهوات وترك اللذات ، كما أوردناه في كتاب رياضة النفس . [ 2 ] وقد روى نافع ، أن ابن عمر رضي الله عنهما كان مريضا ، فاشتهى سمكة طرية ، فالتمست له بالمدينة فلم توجد . ثم وجدت بعد كذا وكذا ، فاشتريت له بدرهم ونصف ، فشويت وحملت إليه على رغيف ، فقام سائل على الباب ، فقال للغلام لفها برغيفها وادفعها إليه . فقال له الغلام ، أصلحك الله ، قد اشتهيتها منذ كذا وكذا فلم نجدها ، فلما وجدتها اشتريتها بدرهم ونصف ، فنحن نعطيه ثمنها فقال لفها وادفعها إليه . ثم قال الغلام للسائل ، هل لك أن تأخذ درهما وتتركها ؟ قال نعم . فأعطاه درهما ، وأخذها وأتى بها ، فوضعها بين يديه وقال ، قد أعطيته درهما وأخذتها منه . فقال لفها وادفعها إليه ، ولا تأخذ منه الدرهم ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله له »